الشهيد الأول
101
جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 )
مثاله قوله عليه السلام : « إنّي لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن » « 1 » ؛ فإنّ النفس مشترك بين الهواء الممدود من قبل الطبيعة الجاري في مخارق بدن الحيوان ، وبين تجلّي الصبح وارتفاع النهار ، يقال : « تنفّس الصبح وتنفّس النهار » ، ولا يراد هذه المفهومات هنا ، فعدل إلى المجاز ، فيمكن التجوّز عن المعنى الأوّل في نصرة النبيّ عليه السلام في جانب هذه القبيلة المذكورة ، والعلاقة أنّ نصرتهم له استلزمت ترويح قلبه من كرب العدوّ والخوف ، كما أنّ نفس الحيوان مستلزم لترويح قلبه عن البخار المؤدّي حبسه إلى الهلاك . ويمكن التجوّز عن المعنى الثاني وعلاقته أنّ إشراق قلبه عليه السلام بسرور الظفر والنصر من هذه القبيلة يشبه ضياء الفجر وطلوعه مجازاً عنه ، لكنّ استعمال النفس للحيوان أجلى ؛ فاستعماله في المجاز عنه أولى . وإن تفاوتت المجازات ، فالراجح إمّا مجاز الأجلى ، فيحمل عليه ، كقوله عليه السلام : « الأنصاري كَرِشي وعَيْبَتي » « 2 » ؛ فإنّ الكرش مشترك بين ما يحوي غذاء الحيوان ، كالمعدة للإنسان ، وبين عيال الرجل من صغار أولاده ، وهما غير مرادين ها هنا ، فيعدل إلى المجاز فيحتمل كونه عنى الأوّل ، وعلاقته أنّه عليه السلام يفزع إلى الأنصار في وقت الحرب وهجوم العدوّ ، كما يفزع المجترّ من الحيوان إلى معدته وقت الاجترار ، ويحتمل عنى الثاني وعلاقته أنّ الأنصار محتاجون إليه ، معتمدون في أسبابهم الدينيّة والدنياويّة عليه ، كما يعتمد صغار الأولاد على والدهم ، لكنّ الكَرِش في المعنى الأوّل أظهر ، وكذلك المجاز عنه ، فتعيّن أنّ المراد مجازه وإن كان مجاز الأخفى . ومع التعارض بينه وبين المجاز الأجلى ؛ لاختصاص كلّ منهما بجهة من الترجيح ، كقوله عليه السلام : « تحابّوا بذكر الله وروحه » « 3 » ، فإنّ لفظ « الروح » مقول على جبرئيل وعلى روح الحيوان بالاشتراك ، وهما غير مرادين ، فيحمل على المجاز ، فيحتمل أن يكون المراد هنا ب « الروح » القرآن ؛ لنزول جبرئيل به ؛ إطلاقاً لاسم السبب على المسبّب .
--> ( 1 ) . النهاية في غريب الحديث ، ج 5 ، ص 93 ، « نفس » ؛ وفي مسند أحمد ، ج 3 ، ص 364 ، ح 10594 بتفاوت . ( 2 ) . مسند أحمد ، ج 3 ، ص 629 ، ح 12184 . ( 3 ) . النهاية في غريب الحديث ، ج 2 ، ص 272 ؛ لسان العرب ، ج 2 ، ص 463 ، « روح » .